أحمد مصطفى المراغي
71
تفسير المراغي
( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) أمر اللّه بالعدل في آيات كثيرة : منها هذه الآية ، ومنها « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » وقوله « كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ » وقوله « فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » والحكم بين الناس له طرق : منها الولاية العامة والقضاء وتحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة . والحكم بالعدل يحتاج إلى أمور : 1 ) فهم الدعوى من المدّعى والجواب من المدّعى عليه ، ليعرف موضوع التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين . 2 ) خلوّ الحاكم من التحيز والميل إلى أحد الخصمين . 3 ) معرفة الحاكم الحكم الذي شرعه اللّه ليفصل بين الناس على مثاله من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة . 4 ) تولية القادرين على القيام بأعباء الأحكام . وقد أمر المسلمون بالعدل في الأحكام والأقوال والأفعال والأخلاق ، قال تعالى « وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى » . ثم بين حسن العدل وأداء الأمانة فقال : ( إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ) أي نعم الشيء الذي يعظكم به أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ، إذ لا يعظكم إلا بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم في الدارين . ( إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) أي عليكم أن تعملوا بأمر اللّه ووعظه ، فإنه أعلم منكم بالمسموعات والمبصرات ، فإذا حكمتم بالعدل فهو سميع لذلك الحكم ، وإن أديتم الأمانة فهو بصير بذلك . وفي هذا وعد عظيم للمطيع ، ووعيد شديد للعاصي ، وإلى ذلك الإشارة بقوله عليه السلام « اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » وفيه أيضا إيماء إلى الاهتمام بحكم القضاة والولاة لأنه قد فوض إليهم النظر في مصالح العباد .